الشيخ محمد حسين الحائري

440

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

لا إشكال في تقديمه إذا كان أقوى من غيره مع أن التقديم في الذكر لا يوجب التقديم في الرتبة كما نبهنا عليه في دفع التنافي المتوهم بين أخبار العرض ومنها الامر بالتخيير في بعضها من أول الأمر وهو ينافي اعتبار المرجحات في غيره وفيه أن تلك الرواية محمولة على تقدير عدم وجود المرجحات جمعا بينها وبين ما دل على اعتبارها ومنها أن هذه المباحث من مباحث الأصول فلا يثبت بأخبار الآحاد لأنها لا يفيد العلم وفيه أن الظنون التي ينتهي إلى الدلائل العلمية معتبرة في الفقه والأصول كما أن الظنون التي لا ينتهي إليها لا تعتبر في شئ منهما ولا ريب أن المرجحات المقررة مما يظن اعتبارها للأخبار المذكورة وغيرها وقد قررنا أن الظن معتبر في الأدلة لقضاء انسداد باب العلم مع بقاء التكليف به فصل كما يقع التعارض بين غير الاخبار وبين الاخبار وغيرها كذلك يقع التعارض بين الاخبار فإذا تعارض الخبران المعتبران فإن أمكن الجمع بينهما بحمل أحدهما على الاخر على وجه يساعد عليه العرف والاعتبار عند ملاحظتهما وهو الجمع على الوجه المقبول رجح على بقية مراتب الترجيح سواء كانا مقطوعي السند أو مظنونيه أو كان أحدهما قطعيا والاخر ظنيا والمراد بالجمع على الوجه المقبول هو أن يكون الجمع بحيث يستظهر مفاده من الخبرين بحسب متعارف الاستعمال بعد ضم أحدهما إلى الاخر ولو بعد النظر إلى احتمال ورود أحدهما مورد التقية حيث يتأتى فيه هذا الاحتمال وأن لا يكون بعده عن الظاهر بحيث يقدح في الوثوق بصحة صدور أحدهما حيث لا يكونان قطعيين وهذا مما يختلف باختلاف مراتب البعد وقوة السند وأمارات التقية وحيث ينتفي الأمر الأول إما لتعدد الوجوه وتساويها أو لاحتمال التقية في أحدهما على وجه لا يكون الحمل عليها أبعد من ارتكاب الجميع أو ينتفي الأمر الثاني بحيث لا يكون عدم صحة صدوره أبعد من وجه الجمع كان الجمع مردودا غير مقبول والحجة على وجوب الجمع على الوجه الأول جريان طريقة الأصحاب عليه وهو إن لم يكن إجماعا مفيدا للقطع فلا أقل من كونه شهرة قوية مفيدة للظن القوي وقد حققنا وجوب التعويل في مثل المقام عليه ويؤكده مساعدة الاعتبار فإن الجمع مع الامكان أولى من الطرح بمعنى أنه أقرب في النظر من الطرح فيجب الاخذ به لما مر قال في غوالي اللئالي على ما نقل عنه كل حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك أولا البحث عن معناهما وكيفية دلالات ألفاظهما فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل والدلالات فاحرص عليه واجتهد في تحصيله فإن العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما وتعطيله بإجماع العلماء فإذا لم يتمكن من ذلك ولم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث وأشار به إلى مقبولة عمر بن حنظلة وهذا كما ترى تصريح بقيام الاجماع على وجوب الجمع على الوجه الذي قررناه وقد يستدل على أولوية الجمع بأن دلالة اللفظ على تمام معناه أصلية وعلى جزئه تبعية فعلى تقدير الجمع يلزم إهمال دلالة تبعية وهو أولى مما يلزم على تقدير عدمه من إهمال دلالة أصلية وأورد عليه بأن العمل بأحدهما عمل بدلالة أصلية وتبعية تابعة لها وهو أولى من العمل بكل منهما من وجه لأنه عمل بدلالتين تبعيتين ورد بأن أولوية العمل بأصلية وتبعية من العمل بتبعيتين إنما يسلم إذا استفيدتا من دليلين لا من دليل واحد لاستلزامه الطرح المرجوح بالنسبة إلى الجمع هذا ملخص ما نقل في الموارد الثلاثة وفي الكل نظر أما في الرد فلانه بظاهره مصادرة لان الكلام في أولوية الجمع على الطرح فلا سبيل إلى التمسك به في توجيه الدليل وأما في الايراد فأما أولا فلانه لا يتجه في العام والخاص المطلقين وما في معناهما كما هو مورد الاستدلال فإن في الجمع حينئذ أيضا عملا بدلالة أصلية هي دلالة الخاص مثلا وبدلالة تبعية هي دلالة العام بالنسبة إلى غيره نعم يتجه الايراد حينئذ بأن ذلك حاصل على تقدير ترك الجمع فلا وجه للترجيح وجوابه يعرف مما يأتي وأما ثانيا فلان العمل بالدلالة التبعية التي هي في ضمن الدلالة الأصلية راجع إلى العمل بالدلالة الأصلية إذ لا مغايرة بينهما إلا بمجرد الاعتبار بخلاف العمل بالدلالة التبعية الأخرى فيرجع الحاصل إلى ترجيح دلالتين متغايرتين إحداهما أصلية والأخرى تبعية على العمل بدلالة واحدة أصلية وأما في أصل الدليل فلان حجية الأولوية المذكورة غير بينة ولا مبينة كالأولوية المذكورة في أصل الدعوى فيتوجه المنع عليها وقد يستدل أيضا بأن الأصل في كل من الامارتين الأعمال فيجمع بينهما بما أمكن لاستحالة الترجيح من غير مرجح نقله الفاضل المعاصر عن تمهيد القواعد أقول مراده بالامكان الامكان بحسب متفاهم العرف ومرجعه إلى ما ذكرناه وقوله لاستحالة الترجيح من غير مرجح يريد به أنا إن عملنا بأحد المتعارضين وطرحنا الاخر مع إمكان الجمع لزم الترجيح من غير مرجح إذ ليس طرح أحدهما والعمل بالآخر أولى من العكس لا يقال قد يتحقق لأحدهما مرجح من حيث المتن أو القرائن الخارجية فكيف يصح نفيهما قلنا لا تصلح تلك المرجحات للترجيح مع إمكان الجمع بحمل الظاهر على التصريح مثلا إذا تعارض العام والخاص وكان الأول أقوى سندا فقوة سنده لا تصلح مرجحا لتقديمه على الخاص لضعف دلالة الأول وقوة الثاني فتقديمه عليه ترجيح من غير مرجح ولا يذهب عليك أن هذا تعليل قاصر عن